Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

تاريخ القدس

 

مقدمة:

القدس مدينة الإسلام والسلام ومركز الاشعاع الروحي للديانات السماوية الثلاث، مدينة تضرب في أعماق التاريخ بناها العرب اليبوسيون، وتعرضت عبر مسيرة التاريخ لكثير من الحروب والغزوات، ولقد اتجهت إليها انظار بني البشر عبر آلاف السنين، وخفقت قلوبهم بحبها، وتعلقت افئدتهم بها وبكوا حزنا لما ألم بها(1).

لقد نشأت العلاقة بين القدس والاسلام منذ أُسري برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إليهاومنها عرج إلى السموات العلى، كان ذلك في مكان قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة، وأصبح الإيمان بهذا الاسراء جزءاً من العقيدةالاسلامية. وأصبحت القدس قبلة المسلمين في مكة ، لقد كان الرسول عليه السلام الفاتح لبيت المقدس الذي بدأ باجتماعه بالملائكة ليلة أُسري به.

ثم فتحها المسلمون سنة 17 هـ/638م. وبقيت في رعاية الإسلام وحمايته وتعرضت إلى غزو صليبي زاد عن ثماني حملات وحشد من أجله ما يزيد على المليوني جندي من أوروبا ودام الاحتلال الصليبي ما يزيد على المائة عام حتى حررها صلاح الدين الأيوبي.وفي عهد المسلمين بدأ اليهود بالتسلل إلى فلسطين والقدس وبدعم من بريطانيا والغرب والشرق احتل اليهود جزءاً من القدس عام 1948 ثم وقعت القدس بكاملها تحت الاحتلال الإسرائيلي على أثر عدوان حزيران عام 1967.

ومن أجل القدس سالت الدماء وعقدت المؤتمرات والندوات ومازال يدور صراع سياسي في المحافل الدولية وأروقة الأمم المتحدة من أجل تقرير مصير القدس، وفشلت كل الجهود لاقناع إسرائيل بالتخلي عن القدس العربية بالوسائل السلمية لقد دافع عن القدس الجنود العرب عام 1948 ومناضلو الشعب الفلسطيني والعالم الإسلامي وفي حرب 1967 قاتل من أجلها الجيش العربي ـ وكان لي شرف القتال دفاعا عنها (2) ولئن سقطت القدس فريسة الاحتلال العسكري فإن الأخطر من ذلك الاحتلال هو ما تقوم به السلطات الإسرائيلية من سباق مع الزمن للقضاء على هوية القدس وعروبتها وطابعها الحضاري والإسلامي وصولا إلى هدم المسجد الأقصى. وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه، فعمليات التهويد والحفريات تحت المسجد الاقصى والصلاة في المسجد الاقصى وطرد السكان وهدم منازلهم وإقامة أكثر من 100 ألف يهودي في مستعمرات حول القدس هي خطوات على طريق ابتلاعها وهي تحدٍ حضاري لامتنا وهي أمة قادرة على دحر كل الغزاة مثلما فعلت في فتح القدس على يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعين جالوت وحطين. والطريق إلى القدس عبر الصراع المرير ليس من على منابر الأمم المتحدة ومشاريع التسوية وإنما عبر الجهاد الإسلامي القادر وحده على اجتثاث العدوان الإسرائيلي وإعادة القدس إلى عدل الإسلام منارة إشعاع روحي مثلما كانت دائماً في كل عهود الحكم الإسلامي وسيبقى اليهود أعداء هذه الأمة بؤرة صراع دائم مصداقاً لقوله تعالي: لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين اشركوا)(3).

المبحث الاول

القدس الشريف في مسيرة التاريخ

القدس عربية إسلامية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها (4) فمنذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد استوطن اليبوسيون ،في منطقة القدس بفلسطين منذ 4000 سنة ق.م  وأقاموا في بيوت من الشعر وفي الكهوف الصخرية في منطقة القدس حوالي ألف عام.

وفي عام 3000 ق.م أنشأ اليبوسيون أول حصن لهم على تل الضهور بالقدس (المعروف بتل أوفل) وأقاموا بيوتاص لهم علىتل الضهور واطلقوا عليه اسم "يبوس" وكان يطلق عليها أيضا اسم (اورسالم) أي مدينة السلام(5) ، ومع أنه ذكر أن عائلات عمورية كثيرة سكنت القدس مما جعل المدينة عمورية فإن أمر المدينة استقر بعدئذ على أنها مدينة يبوسية "كنعانية" عربية واسموها "يبوس" أو "سالم" نسبة في الحالتين إلى اسم أحد أجدادهم. وقد امتدت مدينة القدس أيام اليبوسين "العرب" إلى حدود مدينة رام الله الحديثة من الشمال وانحدرت إلى بعض الأماكن السهلية من الجهات الأخرى.

وقد عرف من ملوك القدس القدماء "اليبوسيون" "سالم اليبوسي" و"ملكي صادق" و"أدوني بازن".

وجاء في نصوص هيروغليفية وجدت في مصر العليا أن "يروشالم" كانت خاضعة للفراعنة في القرن التاسع عشر قبل الميلاد. وهذا الاسم سامي معناه "مدينة السلام" أو مدينة شالم "وشالم هو اسم الله السلام عند الكنعانيين"

وعلاقة المدينة بالاموريين والكنعانيين والحثيين في هذه الشواهد لها هذا الصدى في التوراة(6) : "هكذا قال السيد الرب لأورشليم مخرجك ومولدك من أرض كنعان. أبوك أموري وأمك حثية".(7)

وعندما مر إبراهم بمدينة "يبوس" عام 1900ق.م كما جاء في سفر التكوين أن ملكي صادق دعا لابراهيم قائلا " مبارك إبرام من الله العلي مالك السموات والارض " وهذا يدل على أن اليبوسيين كانوا قد ارتفعوا عن دور الوثنية الأولى وكان ملكي صادق يدعى "كاهن الله العلي" وورد اسم أورشاليم في رسائل تل العمارنة التي كتبت على ألواح من الطين بعث بها حاكم القدس العربي (عبده حيبا) إلى فرعون مصر يطلب منه النجدة ضد هجمات العبيرو (أي العبرانيين) وذلك في القرن الرابع عشر قبل الميلاد والعبيرو هم جماعة خليط لا تنتسب إلى عرق واحد، وذكر في العدد 1 من الاصحاص الثاني والعشرين من سفر صموئيل الأول "فذهب داود واجتمع إليه كل رجل حر النفس فكان عليه رئيساً وكان معه أربعماية رجل" وقال برايت المؤرخ الامريكي المتعصب لليهود "عاش داود بعض الوقت حياة انتهازي كزعيم عصابة العبيرو" وكانوا دائماً غرباعن كب بلاد عاشو بها وكان أهل تلك البلاد يسمونهم بالغرباء.

وعندما رحل إبراهيم من العراق إلى سوريا ومنها إلى فلسطين وحسب ما ذكر في سفر التكوين مما ويدعيه العبريون أن الله وعده وهو في منطقة نابلس بفلسطين بأن تكون هذه الأرض ملكاً له ولنسله من بعده.(8).

لكن إبراهيم لم يكترث بهذا الوعد المزعوم بدليل أنه غادر منطقة نابلس إلى القدس "يبوس" ثم غادر يبوس "أورشاليم" إلى مصر وأثناء عودته من مصر إلى فلسطين توفيت زوجته (سارة)  في الخليل ولم يستطع دفنها لأنه لا يملك أرضا فكلم اهل الخليل (بني حث) قائلاً : "أنا غريب ونزيل عندكم وسجد لهم" حيث تنازلوا له عن قطعة صغيرة من الأرض اشتراها بماله ودفن زوجته سارة، وهاجر يعقوب وأولاده إلى مصر وهناك تكاثروا وشكلوا مع خليط آخر من الطبقات الفقيرة والمستعبدة طبقة دعيت بالعبرانيين(9).

ذكر في سفر التكوين (43/32) أن المصريين لم يكونوا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين لأنه رجس عند المصريين، فخرجوا من مصر عام 1300 ق.م . بقيادة موسى في جماعات لا ينتظمها ضابط ولا رابط، وبعد أن ضلوا في صحراء سيناء مدة أربعين سنة حاول موسى أن يدخل بهم فلسطين من الجنوب فخافوا بأس اليبوسيين والكنعانيين فاتجه بهم إلى شرق الأردن، وهناك قاومه سكانها العرب من العموريين والادوميين في منطقة الكرك فسلك طريق خليج العقبة ومنها عن طريق الصحراء إلى معان ومادبا حيث توفي موسى فقادهم من بعده يشوع بن نون ودخل مدينة أريحا في فلسطين عام 1260ق.م. ودمرها وقتل جميع من فيها من السكان رجالاً ونساءً وشيوخاًُ وأطفالاً وجميعهم من القبائل العربية(10).

وحتى هذه الفترة لم يتمكن اليهود من دخول القدس كما لم تكن لهم أية علاقة بنشوء القدس أو تأسيسها أو تطورها فالقدس نشأت سنة (4000) ق.م واليهود دخلوها سنة (1000) ق.م. وكان اليهود يشعرون بأنهم غرباء عن مدينة القدس وتصف التوراة شعورهم هذا في مواضع كثيرة وقد ورد في سفر 9/11)  قصة تقول: حين كان بعض الاسرائيليين قد دخلوا فلسطين بقيادة يوشع لكنهم لم يكونوا بعد دخلوا القدس كان رجل إسرائيلي وامرأته وخادمه الإسرائيلي أيضاً مسافرين ذات يوم فادركهم الليل.

وهنا تقول التوراة "وفيما هم عند يبوس" (القدس) والنهار قد انحدر جداً قال الغلام لسيده: تعال نميل إلىمدينة "غريبة" لا أحد فيها من بني إسرائيل " وكان قد مضى على وجود المدينة اليبوسية ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة قبل هذه القصة، هذا إذا استثنينا وجود العرب في نواحي القدس قبل ذلك بآلاف أخرى من السنين.

ومن المعروف أن الفلسطينيين هاجروا من جزيرت كريت والجزر اليونانية إلى فلسطين حيث نزلوا على الساحل بين غزة ويافا وذلك عام 1200 ق.م ثم انتشروا داخل البلاد ومنها القدس ثم اندمجوا مع الكنعانيين واليبوسيين وسميت فلسطين بعد ذلك باسمهم.

وبعد أن دمر يشوع وحرق مدينة أريحا وقتل جميع سكانها صعد إلى الغرب حيث احتل (عامي) (خربة التل ) بجوار رام الله ودمرها ثم حاول الزحف إلى القدس فلقي مقاومة صلبة عنيدة من أهلها العرب اليبوسيين والفلسطينيين الذين اندمجوا معهم ومات قبل أن يدخلها(11).

وجاء شاول بعده  ثم داود الذي استقر في الخليل وقام بغزو مدينة القدس سنة 980ق.م  فقاومه أهلها مقاومة عجز عن التغلب عليها فأقام حصارا على المدينة التي صمدت بشجاعة وصلابة، ولكن داود عرف مكان النفق الذي إقامة اليبوسيون من داخل السور إلى عين مياه جيون خارج السور فدخل المدينة من النفق وتمكن من احتلالها وأخذ الجزية منهم وأقام مملكته القدس ومن بعده سليمان والتي عرفت بمملكة داود ومملكة سليمان. لكن مملكتهم لم تدم أكثر من سبعين عاماً حيث تفرقت وتجزأت ثم زالت على يد نبوخذ نصر الي غزاها سنة 586ق.م ودمر الهيكل وسبى اليهود ونقلهم إلى  مملكة العراق(12).

وبعد تغلب الفرس على البابليين سمح لليهود بالعودة وبناء الهيكل (13) .وفي عام 632 ق.م. غزاها اليونانيون بقيادة اسكندر المكدوني وضمت إلى الامبراطورية الرومانية عام 63 ق.م . وأطلقوا عليها اسم "ايليا كابيتمولينا"(14).

ثم وقعت "ايليا" تحت الحكم الروماني وعين هيرودتس ملكاً على اليهود تحت الحكم الروماني. وكان أدوميا "نصف عربي" لم يقبله اليهود لكنه أعاد بناء الهيكل لهم على طراز فخم وبعد موته ا‘اد الرومان الحكم المباشر ، وكان بنطس بلاطس حاكمهم عندما ولد السيد المسيح وأهم حوادث القرن الأول بعد ميلاده هدم مدينة أورشليم وحرق الهيكل سنة 70  على يد بنطس وسحق ثورة يهوديةوحرث مكان المدينةوأقام مستعمرة رومانية باسم إيلياء على انقاضها وبنى معبد لجؤبتر على انقاض الهيكل، وفي سنة 134 حرم هدريان دخول المدينة على اليهود فانسحبت بقاياهم للاقامة في منطقة الجليل، وغلب اسم فلسطين على البلاد في العهد الروماني وعرف أورشليم بايلياء.

أما اليهود فلم يؤمنوا برسالة السيد المسيح واضطهدوا من آمن بهم من بني جلدتهم فتفرقوا في أقطار الامبراطورية الرومانية الشرقية "البيزنطية" النصرانية في سنة 313 وقد جعلها الامبراطور قسطنطين المقر الرسمي(15).

وكان لهذا الانقلاب أثر عظيم في مدينة إيلياء ، إذ تحولت بسرعة من مدينة وثنية إلى مدينة نصرانية، وسهل ذلك زوال آثار اليهود فيها قبل مئتي سنة. فقامت فيها وفي بيت لحم الكنائس مثل كنيسة القيامة وكنيسة المهد بأمر قسطنطين وأمه هيلانه، وبأمرها أزيلت جميع المعابد الوثنية التي اقيمت بعد خراب الهيكل.

ولكن هذا الكيان النصراني قد تزعزع في أوائل القرن السابع عندما غلبت الفرس الروم البيزنطية، واجتاحوا سوريا وفلسطين ودخلوا إيلياء في سنة 604 فوجد اليهود في منطقة الجليل بارقة أمل في استعادة ما فقدوا فتطوعوا لمساعدة الفرس، واشتركوا معهم في ذبح النصارى وهدم الكنائس(16) ولما دارت الدائرة على الفرس بعد خمس عشر سنة بانتصار هيراقليوس عليهم واستعادة إيلياء، انتقم من اليهود انتقاماً قاسياً ، وحدد ما فرضه هدريان من تحريم دخول المدينة عليهم، وهذه الحرب بين الفرس والبيزنطيين لها ذكر في القرآن الكريم : (آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبِهم سًيَغْلِبون في بضعِ سنين)(17)

إن صلة العرب بفلسطين قديمة وقد عرف العرب قبل الإسلام أدنى الأرض "أي أقربها إلى الحجاز وهي جنوب سورية (فلسطين) فقد جاء أن بعض القبائل العربية حاربت مع "الفلسطينيين"  الذين هاجموا أورشلين في سنة 850ق.م.

وصلة عرب الحجاز مع اليمن جنوبا والشام شمالاً (18)  وصفت في القرآن الكريم بـ(رحلة الشتاء والصيف) (19)

فرحلة الصيف كانت محطتها الكبرى في البتراء عاصمة الانباط، فمنها كانت القوافل التجارية تتجه إما إلى غزة أو الى دمشق والمشهور أن هاشماً من أجداد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في قافلة تجارية عندما توفي في غزة فعرفت باسمة "غزة هاشم" ورسوله الله صلى الله عليه وسلم رافق بنفسه وهو صبي عمّه أبا طالب في رحلة تجارية إلى دمشق. وعمرو بن العاص ، أحد تجار مكة عرف جنوب فلسطين حتى بيت المقدس قبل أن يعرفها قائداً للجيش الإسلامي الذي حاصر تلك المدينة.

فالفتح الإسلامي لم يكن بدءاً للوجود العربي في فلسطين بل تأكيداً له. (20).

المبحث الثاني

القدس في التاريخ الإسلامي

سبق الفتح الإسلامي لمدينة القدس في 15 هـ ـ 636م(21) ، إسراء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها مصداقاً لقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا) (22).

لقد بدأت علاقة الإسلام بمدينة القدس حين أُسري برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة ، ومنها عرج إلى السماوات العلى . وأصبح الايمان بالاسراء جزءا من عقيدة المسلمين، وحينما فرضت الصلاة على المسلمين كانت بيت المقدس (قبلة المسلمين) فيما كانت مكة المكرمة والكعبة بين أيديهم.وبعدما هاجر الرسول الى المدينة بستة عشر شهراً أمر بالتوجه في الصلاة إلى الكبعة (23).

المطلب الاول : الفتح الإسلامي لمدينة القدس:

كتب الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه ـ عامله بالشام ما صورته:

" أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هووأصلي على نبيه. وقد وصلني كتابك تستشيرني إلى أي ناحية تتوجه. وقد أشار  ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم (علي كرم الله وجهه) بالمسير إلى بيت المقدس ، فإن الله يفتحها على يديك والسلام" (24).

توجه ابو عبيدة عامر بن الجراح بعد الانتصار على الروم في معركة اليرموك وبناء على توجيهات الخليفة عمر إلى (إيلياء). واحتلها بعد حصار دام أربعة أشهر، ولما اشتد حصار المسلمين للمدينة ، ورغب البطريك صفرونيوسي في التسليم، اشترط أن يكون ذلك يدي الخليفة نفسه، فقبل عمر ذلك ، وبعد مشاورة الصحابة وامراء الجيش ، وهو برهان على علو منزلة المدينة عند الخليفة وعند المسلمين(25).

وفي سنة 637م فتحها المسلمون واشترط الرؤساء المسيحيون ، على جيش المسلمين الذي كان يحاصر المدينة، أن لا تفتح أبواب سورها وتسلم إلا للخليفة العادل عمر بن الخطاب.  واشترط الرؤساء على الخليفة عمر بن الخطاب أن يعطيهم عهدا بعدم السماح لليهود بالاقامة بالمدينة والمحافظة على كنائسهم ودينهم واملاكهم وأموالهم(26).

وفي 15 هـ تسلم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدينة بيت المقدس بنفسه وكتب وثيقة الامان التي عرفت فيما بعد بالعهدة العمرية(27).

وفي العهد شرط خاص بمنع إقامة اليهود في القدس ولا شك بأن هذا الشرط كان بناء على طلب البطريرك بعد الذي لاقاه أتباعه أثناء الغزو الفارسي من شر اليهود(28).

وهذا نص العهد:

"بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما اعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل ايلياء من الامان، أعطاهم أماناً لانفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقض منها… ولا من شيء من أموالهم. ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بايلياء معهم أحد من اليهود"."وعلى اهل إيلياء إطاء الجزية كما يعطي أهل المدائن وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص ، فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام فهو آمن، وعليه ما على أهل ايلياء من الجزية. ومن أحب من أهل ايلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم… فإنهم أمنون على انفسهم … حتى يبلغوا مأمنهم ومن كان فيها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعد، وعليه ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء "من الجزية" حتى يحصدوا حصادهم" (29).

وحسب الاحاديث المتواترة أقام عمر مسجداً في المكان الذي وضعه الرسول الكريم وأقام فيه الصلاة ليلة الاسراء (30). إن الشروط المتعلقة بعدم السماح لليهود بالعيش في المدينة كان بناء على طلب النصارى الذين لم يسنوا آنذاك الدور الذي لعبه اليهود في غزو الفرس للمدينة وتدميرها. وفي مذبحة النصارى. ولكن هذا الحظر رفع تدريجياً بسبب تسامح السلطات الإسلامية إلى أن نسي كلياً وأصبح بإمكان اليهود دخول المدينة دون حرج حتى إذا تحديد التاريخ الذي سمح به لليهود بممارسة الطقوس الدينية، خارج الجزء من الحائط الغربي للحرم الشريف، غدا غير مهم. وجاءت تسمية ذلك الجزء "حائط المبكى"  تسمية حديثة(31).

ويحتمل أن تكون ممارسة اليهود لزيارة حائط المبكى قد بدأت بشكل غير رسمي، وعلى نطاق ضيق محدود جدا. مما لم يلفت انتباه السلطات الإسلامية. وربما عاد تاريخ ذلك إلى ما بعد استرجاع القدس وتحريرها على يدي صلاح الدين عام 1187  ومن المعروف أن الصليبيين كانوا قد أبادوا جميع السكان المسلمين في المدينة المقدسة وحرقوا الجالية اليهودية فيها حتى الموت والفناء.

المطلب الثاني : سقوط القدس في يد الصليبيين:

سقطت القدس في أيدي الصليبيين في سنة 492 للهجرة 099 للميلاد" ، وقد وصفت مؤرخ القدس وقاضيها سقوطها في أيد الصليبيين بقوله " لم يرى الإسلام مصيبة أعظم من ذلك" . لقد سقطت القدس في وقت كانت فيه كلمة المسلمين متفرقة أشد التفرق وقوتهم في غاية الضعف، وقد كتب الصليبيون للبابا بعد دخولهم  مدينة القدس أن خيولهم خاضت في دماء المسلمين إلى الركب. فقد قتلوا المسلمين رجالاً ونساء واطفالاً  بلا رحمة أو تمييز بين المحارب وغير المحارب.

قال ابن الاثير: "لبث الافرنج في البلدة أسبوعاً يقتلون المسلمين… وقتلوا في المسجد الاقصى" غالباً يقصد الحرم الشيريف مع المسجدين "ما يزيد على سبعين ألف منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن فارق الاوطان وجاور ذلك الموضع الشريف.." (32).

لقد سكن الصليبيون بيوت المسلمين وحولوا مسجد قبة الصخرة الى كنيسة وجعلوا المسجد الاقصى ثكنة لفرسانهم  واسفله اصطبلا لخيولهم. أما سكان المدينة من نصارى الشرق فقد أبقاهم الصليبيون لكن جردوهم من السيادة الدينية بالغاء البطريركية الارثوذكسية وإقامة أخرى لاتينية مكانها. وأما من كان في المدينة من اليهود فقد جمعهم الصليبيون في الكنيس واحرقوها عليهم"(33) وفي عام 1150 م لم يكنفي القدس غير يهودي واحد(34).

المطلب الثالث: تحرير صلاح الدين للقدس:

لقد فتح صلاح الدين بن أيوب مدينة القدس في 26 رجب سنة 583 هـ/ 1 تشرين أول 1187م. وفي اليوم الثاني احتفل المسلمون بليلة الاسراء والمعراج احتفالا عظيماً وقد حافظ المسلمون على أحياء هذه الليلة المباركة في الحرم الشريف إلى يوم الناس هذا.وصلى صلاح الدين ورجاله تحت قبة الصخرة واستمع إلى خطبة القاضي محي الدين بن محمد القرشي قال فيها:

 

وفتحك القلعة الشهباء في صفر

مبشر بفتوح القدس في رجب (35)

 

وقال في خطبة خاصة قبل الخطبة المعتادة:

" إياكم عباد الله أن يستنزلكم الشيطان … فيخيل لكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد وخيولكم الجياد… لا والله ، ما النصر إلا من عند الله ، فأحذروا عباد الله بعد أن شرفكم الله بهذا الفتح الجليل… أن تقترفوا كبيرة من مناهية … والجهاد…  الجهاد انصروا الله ينصركم… خذوا في حسم الداء وقطع شافة الاعداء ، وطهروا الأرض من هذه الانجاس التي غضبت الله ورسوله…"(36).

وقد ملأ السلطان صلاح الدين الحرم الشريف بنسخ من القرآن الكريم أحضرها من مكتبة دمشق العظيمة ، ولا تزال بعض هذه النسخ محفوظة حتى الآن (37).

وقد أمر بترميم المسجد الاقصى وجاء إليه بالمنبر الذي لم يعمل في الإسلام مثله "من حلب صنع على مدى سنين بأمر نور الدين زنكي خاصة باسم المسجد الاقصى" وهذا هو المنبر الذي أحرقه اليهود في سنة 1969 أثناء الاحتلال الإسرائيلي.

وقد أشرف الملك المظفر على علية تكنيس الحرم غسله ورشه بماء الورد لتطهيره من رجس الفرنج (38).

وفي عام 1515 حكمها العثمانيون وام سليمان القانوني بإعادة بناء سور القدس الذي استغرق بناؤه خمس سنوات وبلغ طوله أربع كيلومترات وارتفاعه اثني عشر متراً وله ثمانية أبواب رئيسية واستمر تقدم المدينة وازدهارها وتوسعت خارج السور وبقيت تحت حكم العثمانيين حتى عام 1917 حتى احتلها البريطانيون بقيادة الجنرال اللنبي بعد هزيمة الدولة العثمانية الإسلامية بالحرب العالمية الأولى(39).

لم تنقطع السيادة الفعلية للمسلمين على هذه المدينة منذ الفتح الإسلامي لمدينة القدس (636) طيلة  الاربعة عشر قرنا الماضية باستثناء فترة الحملات الصليبية أي نحو مئة عام (1099-1187و1229-1239) والاحتلال البريطاني (1917-1948) ثم الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967 (40)، وحتى كتابة هذه السطور.

المبحث الثالث

القدس في التخطيط الصهيوني

لقد تبلورت قدسية المدينة المقدسة لدى اليهود في الشتات ، وتأثرت إلى حد كبير بالمعاناة من الاضطهاد الذي واجههم عبر تاريخهم (41) ولم يكن وقوع المدينة المقدسة في قبضة الاحتلال الإسرائيلي نتيجة حربي 1948 و 1967  فحسب بل جاء نتيجة لسلسلة من المخططات الدقيقة والمدروسة التي جرى تنفيذها على مراحل متعددة تتلاءم مع القدرات الصهيونية البشرية والمادية والسياسية والعسكرية ، وقد بدأت اولى هذه المراحل مع نشوء الفكرة الصهيونية في النصف الثاني من القرن التاسع  عشر وقبل ظهور الصهيونية السياسية في أعقاب المؤتمر الصهيوني الاول الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا سنة 1897 م، واتسمت  هذه المرحلة بـ "بتسلل اليهود إلى فلسطين بدوافع دينية أو اقتصادية ـ سياسية أو جامعة بينهما خلال أواخر فترة الحكم العثماني لفلسطين، الأمر الذي نجم عنه تشكل جالية يهودية في فلسطين استوطن غالبها في القدس ثم ما لبثت أن اصبحت أحد قواعد العمل الصهيوني.

لقد دأب منظرو الحركة الصهيونية منذ نتصف القرن الماضي على التأكيد لليهود في مختلف أنحاء العلام بأن هدف الصهيونية هو احتلال القدس ، وجعلها عاصمة (لإسرائيل).

وكان استيطان القدس من أهم ركائز الدعوة لدى زعماء اليهود الذين كانوا يرددون أمام بسطاء اليهود في العالم باستمرار أحد المزاعم اليهودية التي تقوم : "إن أقدامنا تقف عند أبوابك يا قدس، يا قدس التي بقيت موحدة".

المطلب الاول : الادعاء الصهيوني والصراع حول القدس

يعتمد الادعاء الصهيوني على أحقية اليهود في استعادة القدس كعاصمة لهم لأنها حسب زعمهم كانت عاصمة مملكة يهودا أحد المملكتين اليهوديتين في فلسطين قبل ثلاثة آلاف سنة.فاليهود ليسوا أول ولا آخر من حكم المدينة فقد بناها العرب اليبوسيون قبل نحو سنة 4000 قبل الميلاد إلى أن استولى عليها داود حوالي سنة 1000 ق.م بعد أن وحد قبائل إسرائيل التي خرجت من مصر بإتجاه فلسطين في القرن الثالث عشر ق.م.، على أن القدس لم تكن طيلة هذه الفترة تحت حكم العبرانيين ، ولم يمتد هذا الحكم سوى 73 عاماً في عهد داود وسليمان.

لقد اختار داود القدس عاصمة له وشرع في بناء معبد لحفظ تابوت العهد الذي يحتوي على وصايا موسى وأتم بناءه من بعده ابنه سليمان. وقد قدس قسم من اليهود المدينة أول الأمر على طريقة اليبوسيين وديانتهم فنجد داود والد سليمان، يقتبس طريقة اليبوسيين في بناء بيت للرب (هيكل) عرى مرتفع.وقد قام ابنه سليمان ببناء الهيكل بالرغم من معارضة أنبياء اليهود واحبارهم. ومع مرور الوقت وكثرة الانبياء والكهنة الذين وفدوا على المدينة طيلة حكم أسرة داود، أصبحت المدينة وهيكلها تتخذان في التوراة والتراث الديني في خواطر اليهود مكانا استعملها السياسيون الصهاينة الداعون إلى إقامة دولة يهودية  في فلسطين العربية بعد مضي ثلاثة آلاف سنة على حكم داود(42) .

لقد استمرت " المملكة العبرية" لمدة أربعة قرون، تغطي الفترة من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد (الملك داود حوالي عام 990  والملك سليمان حوالي 960) وقد انقسمت المملكة العبرية إلى دولتين ، إسرائيل ويهودا، وقد قام الاشوريون بغزو إسرائيل ورغم سقوط يهودا عام 640 قبل الميلاد، إلا أنها تمكنت من القيام مرة ثانية كدولة حتى عام 70 بعد الميلاد. عندما قام الامبراطور الروماني تيتوس بغزو ونهب القدس. وفي عام 587 قبل الميلاد، في ظل حكم نبوخذ نصر الثاني حمل اليهود إلى بابل (جميعهم تقريباً باستثناء مجموعات قليلة من الطبقات الدنيا هاجرت إلى مصر) وفي عام 540 قبل الميلاد قام التيرتيوليانوسيون بطرد اليهود كافة حيث دفع بعضهم بصفة خاصة الى نهر الراين للدفاع عن الامبراطورية الرومانية ضد هجوم البربر(ويمثل هؤلاء اليهود السلف الأعلى لطائفة الاشكنازي).

فمنذ 70 بعد الميلاد حتى 15 أيار / مايو 1948 ـ خلال التسعة عشر قرناً الماضية ـ لم تقم "دولة يهودية" على أرض فلسطين وعلى مدار القرون الأولى من هذه الفترة تغير حكام القدس مرات عديدة (الرومان ، الفرس ، البيزنطيون)  وفي عام 638 بعد الميلاد قام المسلمون بفتح القدس. ومنذ تلك اللحظة حتى عام 1967 أي لمدة ثلاثة عشر قرناً تقريبا، كانت فلسطين   ومن ضمنها القدس تحت الحكم الإسلامي.

إن هذه الحقائق تظهر بشكل واضح كيف قلبت الحقائق تحت ستار ما يسمى عبارة "الحقوق التاريخية" ليهود في فلسطين (43).

المطلب الثاني: اليهود ومراحل الاستيلاء على القدس:

لقد كانت القدس ومازالت هدفاً خاصاً للمطامع الصهيونية وكان بداية التسلل اليهودي إلي القدس في عام 1813 على أثر الوباء الذي اجتاح الجليل، وبدأت الهجرة اليهودية في عام 1895  إلى القدس بعد أن وضع "موسى منتغيوري" حجر الاساس للحي اليهودي الأول في القدس (شأنيم). وقد مهّد إلى ذلك السفير البريطاني لدى الدولةا لعثمانية آنذاك.

وكانت قد ظهرت أول صحيفة صهيونية في القدس ، "يهودا واورشليم لاضفاء صبغة يهودية صرفة على الحياة اليهودية الثقافية والسياسية. وبعد صدور وعد بلفور عام 1917 أخذت القدس تتحول تدريجيا وبفضل تواطؤ سلطات الانتداب البريطاني إلى مركز للنشاطات الصهيونية إذ تم تأسيس العديد من المراكز الصهيونية الحيوية فيها كان من ابرزها مركز الهستدروت الصهيوني العالمي، ومركز الوكالةاليهودية ومركزمؤسسة "الكيرن هيود" "الصندوق القومي اليهودي" لاغراض استملاك الأراضي بالاضافة إلى الجامعة العبرية (عام 1925) الواجهة الصهيونية الثقافية لليهود في فلسطين عامة والقدس خاصة، وكنيست إسرائيل ومركزاللجنة القومية لليهود عام 1920 التي كانت تعد اعلى سلطة يهودية سياسية  إدارية في فلسطين(44).

وقد شهدت الهجرة اليهودية إلى القدس إتساعاً محموما عام 1922 . فبعد إنسحاب قوات الانتداب البريطاني من القدس في 14/5/1948 ركز الصهاينة جهودهم لاحتلال عاصمة فلسطين (القدس)وكان في نيتهم الاعلان عنها عاصمة للكيان الصهيونية في كانون الاول من عام  1949.

ومن اجل ذلك تدافع إلى المدينة المغتصبة المستجلبون اليهود من مختلف دول العالم للاقامة فيها وبعد ذلك احتلت العصابات الصهيونية قرى عربية مجاورة ضمتها لها مثل بيت صفافا ولفتا وعين كارم والمالحة ،ودير ياسين. وفي عام 1950 وصل عدد المستوطنين  اليهود القاطنين في القدس حوالي 123000 نسمة.

وبعد هذا التاريخ مباشرة بدأ الكيان الإسرائيلي ضواحي سكنية جديدة باستيعاب مئات الآلاف من المستجلبين اليهود وبالقرب من الجامعة العبرية الضاحية الجديدة بنى الصهاينة مجمعا خاصا للمؤسسات والدوائر الصهيونية الرسمية وشبه الرسمية أطلق عليه اسم "الكبرياء" وهو بمثابة مركز الوزارات والمكاتب الإسرائيلية وقصر الكنيست بالاضافة إلى المتحف الصهيوني وبعد عشر سنوات من الاحتلال شهد الجزء المحتل من القدس اتساعاً عمرانياً بفعل تدفق المستوطنين(45).

وبانتهاء الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 تمكنت القوات الإسرائيلية من تحقيق نصف ذلك الحلم الصهيوني، فقد احتلت 66.2% من المساحة الكلية لمدينة القدس، ولكن البلدة   القديمة وما فيها من مقدسات ظلت بيد العرب.

ثم جاءت حرب 1967 لتمكن القوات الإسرائيلية من احكام قبضتها على الجزء المتبقي من المدينة.

وفي 8/6/1967  كان الخاخام شلوموغورين ـ خاخام جيش الدفاع الإسرائيلي آنذاك ـ يقف على رأس ثلة من الجيش بالقرب من الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف (حائط المبكى)ويقيم شعائر الصلاة اليهودية معلنا في ختامها ان حلم الاجيال اليهودية قد تحقق ، فالقدس لليهود ولن يتراجعوا عنها وهي عاصمتهم الابدية.(46).

وفي 11/6/1967 أي بعد احتلال القدس كلها بأيام عقدت الحكومة الإسرائيلية اجتماعا لبحث ضم القدس الى إسرائيل وتوالت اجتماعاتها الى ان تقدمت الكنيست (47) في 27 /6 بمشروع قرار ضم القدس الى (إسرائيل).

ولقد وافق الكنيست في اليوم نفسه على قرار الضم وجرى الحاق القدس العربية بإسرائيل سياسيا وإداريا بموجب الامر  رقم 2064(48)

وبدأت عملية نقل مكاتب الوزارات والمؤسسات الإسرائيلية الحكومية الأخرى الى القدس الشرقية (49).

وقد نص القانون الذي أصدره الكنيست على ما يلي : (50)

إن القدس الموحدة كاملة هي عاصمة إسرائيل .

 إن القدس مقر رئيس البلاد والكنيست والحكومة والمحكمة العليا.

إن الاماكن المقدسة ستحمي من تدنيس او من أي اضرار ، أو أي شيء يمكن أن يؤثر على الوصول الحر إلى كل الديانات إلى أماكنها المقدسة او على مشاعرها نحو هذه الاماكن.

 إن الحكومة ستشرف على تطوير القدس ونموها ورفاه سكانها بتخصص أموال لبلدية القدس بموافقة  اللجنة المالية في الكنيست ، وستحظى القدس بأولويات خاصة في نشاطات دوائر الحكومة لتطوير في الحقوق الاقتصادية والحقول الاخرى".

ويبدو أن قرار الكنيست الإسرائيلي المشار إليه قد بدأ بأخذ شكلا عمليا حين قررت لجنة الداخلية التابعة للكنيست الإسرائيلي زيارة ساحة الحرم لتضع حجر الاساس الاول في اقامة اول تواجد يهودي في الحرم القدسي الشريف وقد قام احد الاعضاء المتطرفين بالصلاة داخل الحرم رغم تواجده في زيارة رسمية إجبارية لهذا المكان الطاهر(51).

إن اليهود ، منذ أحرقوا المسجد في عام 1969 وهم يصرون على النيل منه بمختلف الوسائل ، من اطلاق النار على المصلين إلى زرع المتفجرات وقد اجمع الصحف الإسرائيلية ان المتفجرات التي تمت العثور عليها من قبل حرس المسجد الاقصى نقلت من عنابر الجيش الإسرائيلي (52) وقد ذكر شيخ سعد الدين العلمي مفتي القدس أنه قد تعرض إلى التهديدات والانذارات وانهم خيروه في آخر إنذار وصله منهم بين أمرين:

أما أن يقبل منهم مليون دينار اردني سرا مقابل السماح لهم بدخول ساحات الاقصى والصلاة فيه أو الاغتيال والموت، وقد عقد الشيخ العلمي على اثر ذلك مؤتمراً شعبياً في الأرض المحتلة قال فيه :"  ليكن معلوما لاسرائيل والدنيا كلها أن ملء الأرض ذهبا لا تساوي عند المسلم ذرة من تراب المسجد الاقصى الشريف" (53).

المطلب الثالث : النوايا الإسرائيلية بشان  الحرم الشريف:

قام الحاخام الأكبر بالجيش الإسرائيلي عام 1967مع عدد من أتباعه بالصلاة في الحرم الشريف الذي يقدسه المسلمون وقد أثار هذا العمل الاستفزازي مشاعر المسلمين  وغير المسلمين، وفي عام 1976 ، حوكم ثمانية يهود ـ من جملة  40 يهودياً ـ بتهمة الصلاة وترديد الترانيم الإسرائيلية داخل الحرم الشريف. وقد أصدرت القاضية "روت أرو" في محكمة القدس ـ حكما يؤكد حق اليهود في الصلاة في الحرم الشريف ، وبرأت المتهمين فادى هذا إلى اشتعال المظاهرات والاضطرابات في القدس والضفة الغربية. ثم أعيد عرض الدعوى أمام المحكمة العليا حيث قامت بنقض الحكم. وقد رأس العرب في حكم القاضية (روث أرو) تعبيرا عن مشاعر العديد من الاسرائيليين الذين يرون في الحرم الشريف حجر عثرة اساسي في طريق الوصول إلى المعبد الثالث. وتكررت الاشتباكات في أغسطس "أب" عام 1976 ، نتيجة لمحاولة بعض اليهود المتدينين الصلاة في الحرم الشريف (54).

ونستذكر تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بعد احتلال القدس عام 1967 حيث صرح ديفيد بن جوريون بأن شعبة "الذي يقف  على أعتاب المعبد الثالث لا يمكن أن يتحمل الصبر الذي كان عليه أجداد" وعندما وصل مناجم بيجن إلى الجدار ، عبر عن أمله في أن "يعاد بناء المعبد في أقرب وقت وخلال فترة حياة هذا الجيل.

كما صرح وزير الاديان الإسرائيلي عام 1967، أمام أحد المؤتمرات في مدينة القدس بأن سلطات الاحتلال تعتبر المسجد الأقصى وقبة الصخرة جزءا من مملكتها ذلك على اساس حق الامتلاك السابق "أو حق الاحتلال الحالي" ، ثم أضاف "وينطبق ذلك على المسجد الابراهيمي المقدس في مدينة الخليل ، ويعتبر الكهف محراباً يهودياً حيث قام اليهود بشرائه بنفس الطريقة التي تم بها شراء الصخرة المقدسة في عصر النبي داود من اليبوسيين.. ولليهود في الكهف والصخرة حقوق احتلال وامتلاك"(55). لقد وضعوا أيديهم على الحرم الابراهيمي ويسعون إلى وضع أيديهم على المسجد الاقصى.

لقد ذهب "موشى ديان" وزير دفاع العدو عام 1967 إلى "الجعبري" رئيس البلدية، وطلب منه تصريحاً لليهود بزيارة الحرم الابراهيمي… وقال له الجعبري : إن مساجدنا مفتحة الأبواب في كل العالم أمام أي زائر مهما كان دينه أو لونه أو جنسيته". غير أن موشى ديان أصر على أخذ هذا التصريح خطيا… وأعطاه الشيخ الجعبري هذا التصريح الكتابي. لرؤية الخرائط إضغط هنا

ففي الاسبوع الاول جعلوا يدخلون المسجد كزوار بعد خلع نعالهم، وفي الاسبوع الثاني راحوا يدخلون بالنعال ثم جاء الجيش واحتل الحرم الابراهيمي وادخلوا إلى المسجد بالقوة أدوات عبادتهم من كراسي وطاولات فجعلوه  اقرب الى الكنيس منه الى الجامع. وإذا ما سمح لهم بدخول المسجد الاقصى والصلاة في ساحته فلسوف يصير امره ما صار إليه أمر الحرم الابراهيمي (5).

المبحث الرابع

التصور السياسي الصهيوني بشأن مستقبل القدس

المطلب الاول : فترة حكم المعراخ (حزب العمل الإسرائيلي )

لا تختلف الاحزاب الإسرائيلية حول "اعتبار القدس عاصمة إسرائيل  التوراتية .. وعاصمة إسرائيل اليوم وإلى الابد" . والدليل العملي على ذلك هو ان اعضاء حزب العمل الإسرائيلي صوتوا مع اعضاء تكتل الليكود الحاكم إلى جانب قرار الضم والتهويد في الكنيست في 28/6/1967.

وفي هذا الامر لا يختلف شمعون بيريز زعيم حزب العمل الإسرائيلي عن قادة الليكود ، ففي حدي نشرته له صحيفة "التايمز"  اللندنية ، قال بيريز: إن أية حكومة يشكلها لن تدخل أي تغير على المنهج الإسرائيلي الحالي ازاء القدس العربية والمستوطنات المقامة في الاراضي العربية المحتلة (57).

ولم يتغير موقف بيريز بعد ان اصبح رئيسا لوزراء إسرائيل فبعد اجتماع شمعون بيريز مع قداسة البابا في العشرين من شهر شباط 1985 صرح بما يلي:

".. كما أ،،ي لم اجتمع أي أي مسؤول ضليع ورفيع الشأن سواء من الشرق أو الغرب إلا وأكد لي بشكل قاطع أن مستقبل ومصير القدس بالنسبة لاسرائيل هما غير قابلين للتفاوض في أية جهود دولية قد تبذل لايجاد تسوية سلمية عادلة ودائمة لقضية فلسطين ونزاع الشرق الاوسط مهما كانت الظروف والمعطيات…"(58)

خلال حرب حزيران سنة 1967 احتلت القوات الإسرائيلية الجزء الشرقي من مدينة القدس، وقد أنكر رئيس الوزراء الإسرائيلي أشكول أي نوايا لاسرائيل في ضم قدم واحد من الاراضي العربية وبعد الحرب أعيد النظر في تلك الاتجاهات او تلك النوايا وقدم تشريع إلى الكنيست يقضي بضم الجزء العربي من المدينة الى إسرائيل(59).

وفيما يتعلق بفترة المعراخ (1948-1977) فقد اتخذت السلطات الإسرائيلية عددا من الاجراءات لتكريس وتكثيف الوجود اليهودي داخل المدينة. وعمدت إلى توحيد شطري المدينة تحت الادارة الإسرائيلية في 27/6/1967 وإخلاء الأحياء والسكان العرب من مساكنها(60).

وبعد اسبوع  واحد على إنهاء الحرب بدأت الجرافات الإسرائيلية في العمل داخل المدينة القديمة وقبل نهاية شهر حزيران تسببت في تشريد 4آلاف عربي (61) كم عملت على انشاء سلسلة من المستعمرات والاحياء السكنية داخل المدينة وفي محيطها للإخلال بالتوازن النسبي بين عدد اليهود وعدد العرب من جهة والحيلولة دون التواصل الجغرافي بين عرب القدس والعرب في المناطق المجاورة، كما جرى الاهتمام بالاستيطان في منطقتي بيت لحم والخليل بحكم أن الاولى تمثل ظهيرة أمنية لمدينة القدس كما وأن تواصلها الجغرافي مع الثالثة يزيد من الأهمية الاستراتيجية للقدس العربية(62).

وقد تم في عهد حزب العمل الإسرائيلي وإبان فترة حكمه توسيع حدود بلدية القدس فأصبحت تشمل حسب المفهوم الإسرائيلي القدس الموسعة الكبرى التي تمتد من مشارف رام الله شمالا الى مشارف بيت لحم وبيت جالا جنوبا ، كما يمتد الى الخان الاحمر القريب من نهر الاردن شرقا وإلى النبي صموئيل ومجموعة القرى العربية الكثيفة غرباً ، وهذه المساحة الشاسعة تشكل مالا يقل عن ثلث الضفة الغربية (59 مدينة وقرية) وقد بلغ عدد المستوطنين اليهود في القدس حوالي ربع مليون مستعمر أي ثلث سكان الضفة الغربية.(63).

المطلب الثاني ـ حزب الليكود (1977-1984)

جاءت الاحداث لتؤكد موقف حزب الليكود القاضي باعتبار القدس عاصمة إسرائيل الابدية ، لقد جرى تركيز على اقامة المستعمرات في مدينة القدس وفي هذا الاتجاه تقدم المسؤولون الاسرائيليون بخطط ثلاث لتطوير المشروعات العمرانية. وكانت هناك اولا خطة أرئيل شارون وزير الزراعة والتي أطلق عليها "مشروع المحور المضاعف" او "العمود الفقري" وهي التي حرصت على تحقيق الاستيطان في خطين متوازيين هما الشريط الساحلي والشريط الشرقي المقابل له مع إيجاد شبكة من الخطوط الطولية والعرضية تربط بينهما.

والخطة الإستيطانية الثانية لعيزرا وايزمن والتي استهدفت تجميع المستعمرات الصغيرة والمبعثرة في شبه مراكز مدنية ضخمة ثلاثة منها حول القدس وثلاثة في شمال الضفة الغربية.

والخطة الثالثة هي خطة متياهو دروبلس  (الرئيس الثاني لقسم الاستيطان بالوكالة اليهودية) وهي التي استهدفت إقامة ما بين 12- 15 مستعمرة سنوياً مع إستيعاب ما بين 120-150 الف مستوطن خلال 5 سنوات. والشكل الامثل للإستيطان في تصوره هو الإستيطان الجماعي المختلط في الضفة الغربية بعد تقسيمها إلى 22 منطقة (64).

في البلدة القديمة أخذت السلطات الإسرائيلية فور الانتهاء من عمليات المصادرة والهدم داخل البلدة القديمة تقيم أول حي فيها وقد تم فيه حتى عام 1981  إقامة وترميم 468  وحدة سكنية يقد عدد سكانها بحوالي 1800 نسمة وبناء سوق تجاري وكنيس للصلاة أقيمت على أنقاض اربعة أحياء عربية هي حي الشرف وحي الناشورة وحي المغاربة وباب السلسلة.(65)

أما المخطط الهيكلي الجديد (66) الذي أقر عشية الحرب قانون ضم القدس (30/7/1980) فيقضي بإضافة 50 كيلومتر مربع إلى المدينة من الاراضي المحتلة بعد عام 1967. ويتضح من تفاصيل هذا المخطط أن المساحة الاجمالية لمدينة القدس ستكون 108 كيلومتر مربع يخصص فيها 41 كيلومتر مربع للسكن و38 كيلومتر مربع للحدائق والساحات العامة و11 كيلومتر مربع للمناطق المفتوحة و6.6 كيلومتر مربع للمؤسسات العامة و4.6 كيلومتر للتجارة والصناعة.

وسيفتح هذا المخطط الطريق أمام مصادرة مساحات جديدة من الأراضي العربية شمال مدينة القدس لإقامة 12 ألف وحدة سكنية جديدة فيصبح عدد الوحدات السكنية في حدود هذا المخطط الهيكلي حتى عام 2000 حوالي 180 الف وحدة.

وقد بلغ مجموع ما صودر حتى عام 1981  من الأراضي في القدس وحولها 33.556 دونما أقيمت فيها حوالي 22 ألف وحدة سكنية والعلم جارٍ لإقامة 33 الف وحدة سكنية اخرى حتى نهاية عام 1985(67).

رغم مبادرة السادات بزيارة القدس فقد كانت إسرائيل واضحة كل الوضوح منذ توقيع الوثيقة الاولى من اتفاقيتي كامب ديفيد "اطار السلام في الشرق الاوسط" إذ في اليوم نفسه الذي وقع فيه بيغن هذه الاتفاقية في 17/9/1978 أرفقها برسالة موجهة إلى الرئيس كارت أعاد فيه التذكير بمرسوم اصدرته الحكومة الإسرائيلية في تموز / يوليو 1967  بأن القدس غير المقسمة هي عاصمة لدولة إسرائيل.

وفي ضوء الموقف الإسرائيلي كان الخلاف بين المفاوضين الاسرائيليين حول "حق سكان القطاع الشرقي من القدس في المشاركة في انتخاب المجلس الاداري" (68) وقد اتخذت إسرائيل في هذا الميدان موقف الهجوم المطلق ، إذ مهد مناحيم بيغن للجولة الأولى من مفاوضات الحكم الذاتي على شكل تصريح شدد فيه على "أن القدس هي عاصمة إسرائيل إلى الأبد ولا يمكن إعادة تقسيمها".

وقد تبعه موشيه ديان، وزير الخارجية إذ أكد في القاهرة في زيارة رسمية لها في 4/6/1979 سياسة حكومته بأ، لا عودة إلى الوضع السابق الذي كانت عليه القدس(69).

المطلب الثالث : توجيهات الشعب الإسرائيلي بشأن مستقبل القدس

أجرى في إسرائيل عام 1972 إستفتاء محوره أن القدس هي العقبة الرئيسية في وجه السلام في الشرق الاوسط وقد أظهر ذلك الاستفتاء نتيجة مذهلة وهي أن 1% فقط من الإسرائيليين تقبل بعودة القدس للسيادة العربية وقد كانت نتائج الاستبيان كما يلي : (70)

31% من السكان يرغبون بالاحتفاظ بسيناء.

56% من السكان يرغبون بالاحتفاظ بالضفة الغربية بكاملها.

73% من السكان يرغبون بالاحتفاظ بغزة.

91% من السكان يرغبون بالاحتفاظ بشرم الشيخ

92 % من السكان يرغبون بالاحتفاظ بمرتفعات الجولان.

اما بالنسبة للقدس فإن 4% فقط يقبلون نوعا من السيطرة المشتركة على الجزء العربي من القدس وأن 1% فقط يقبل بعودة السيادة العربية.

لقد جاءت نتائج الانتخابات الإسرائيلية للكنيست العاشر لتؤكد أن خط التصلب داخل إسرائيل لم يخف ولم يتزعزع والدليل على ذلك هو تأييد الاسرائيليين في الانتخابات على استمرار خط التصلب (بالرغم من زيادة عدد مقاعد المعراخ) الذي تمثل في فوز ساحق ونجاح القوى السياسية الاخرى التي تقف على يسار كل من الليكود والمعراخ ، وأن الاتجاه والمفاعلات داخل المجتمع الصهيوني تسير باتجاه لتصل كخط متصاعد (71) . نحو عدم القبول بالسلام.

أن بيرز الذي يدعو إلى السلام ، والذي وضع شعاراً لمعركته الانتخابية : ضرورة التوصل إلى تسوية مع الاردن حول الضفة الغربية ، هو أول مسؤول في إسرائيل (بصفته وزيرا للدفاع ) اعطى حركة "غوش أمونيم " الحق في بناء مستوطنات في الضفة الغربية المحتلة(72) ولا بد من الإشارة إلى أن السياسة المعلنة لحكومة بيرز هي عدم القبول بعودة القدس إلى السيادة العربية ولما كانت الحكومات الإسرائيلية تمثل التوجهات السياسية للشعب الإسرائيلي فإن احتمالات السلام ليست واردة في الفكر السياسي الإسرائيلي مثلما هي ليست واردة لدى الشعب الإسرائيلي.

المبحث الخامس

قضية القدس في المحافل الدولية

المطلب الاول: قرار التقسيم وتدويل القدس

نشأت القضية في نطاق الامم المتحدة نتيجة مباشرة  لقرار التقسيم الذي اصدرته الجمعية العامة برقم 181 تاريخ 29/11/1947 فقد نص هذا القرار على أن تدويل القدس أفضل وسيلة لحماية جميع المصالح الدينية المقدسة ،كما نص قرار التقسيم على جعل مدينة القدس لا منطقة القدس وحدها (منطقة قائمة بذاتها) جعلها تضم بلدية القدس مضافا اليها القرى المحيطة بها ، بحيث تكون قرية أبوديس أقصاها في الشرق وبيت لحم اقصاها في الجنوب وعين كارم أقصاها في الغرب وشعفاط أقصاها في الشمال. وعهدت الجمعية العامة إلى مجلس الوصاية بوضع نظام خاص بمنطقة القدس على أن ترتبط بوحدة اقتصادية مع الدولتين العربية واليهودية.

وعندما رفضت الدول العربية مشروع التقسيم بكامله شمل رفضها تدويل القدس كما جاء في المشروع وانقسم الصهيونيون فيما بينهم فقسم قبل التدويل وقسم رفضه. ولكنهم وافقوا جميعا على التدويل كسباً للاصوات لمصلحة التقسيم ولاسيما أصوات الدول الكاثوليكية في الأمم المتحدة ، وطمعا في تحقيق كيان الدولة اليهودية الذي تم لها(73) وبعد قرار التقسيم نشبت الحرب بين العرب واليهود وكان هدف العرب منع تنفيذ قرار التقسيم ، وكان هدف اليهود تنفيذ القرار، وقرر مجلس الأمن بالاجماع عام 1948 فرض هدنة في القدس ، ولكن الناطق  الرسمي باسم (الوكالة اليهودية) أعلن رفضه للادارة الدولية للقدس، ما لم تكن جزءا من خطة تقسيم فلسطين ، التي بموجبها تنشأ دولة يهودية وأعلن ايضا انه إذا لم ينفذ قرار التقسيم فان اليهود سوف يدافعون عن القدس ، وقد اتضح معنى (الدفاع عن القدس) حين قام الإرهابيون اليهود بالتعاون مع قوة الدفاع اليهودية "الهاجاناه" بتنفيذ مجزرة دير ياسين إحدى ضواحي القدس ، كما احتلوا القسطل، وفي نيسان والنصف الأول من أيار احتل اليهود الاحياء العربية خارج المدينة القديمة ، بما في ذلك "الطالبية" والقطمون ، والبقعة" (74).

وتجددت المطالبة العالمية بتجديد الهدنة، واعلنت ولجامعة العربية من جانبها أن العرب سيقبلون بالهدنة وسيتخذون الاحتياطات اللازمة لتأمين سلامة الاماكن المقدسة داخل المدينة القديمة وجبل الزيتون ، بينما يكترث اليهود بسلامة الأماكن المقدسة بالقدس ، ولا باقتراح المندوب السامي البريطاني الذي دعا لعقد اجتماع لترتيب أمور الهدنة كما رفضوا اقتراح الصليب الاحمر الداعي لاعتبار المدينة القديمة "موقعا لمستشفى"(75)

وفي الرابع عشر من أيار لعام (1948) أعلنت الدولة اليهودية وجاء في اعلانها:

"على الرغم من الحق التاريخي لليهود في إسرائيل ، ووعد  (بلفور) القاضي بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين وكذلك صك الانتداب الصادر عن عصبة الامم ولأن أيا من هذه لم يتضمن الإشارة لتأسيس دولة يهودية فإن الوجه القانوني الذي تعترف به إسرائيل هو قرار الجمعية العامة للامم المتحدة في 29 من شهر تشرين الثاني عام 1947 لأنه يتضمن الإشارة  الصريحة لتأسيس دولة يهودية".

وفي غضون ساعات من ذلك الاعلان كانت القوات اليهودية تركز هجوما لها على المدينة القديمة والتي كانت تعتبر قانونيا ً هي وضواحيها منطقة تابعة للامم المتحدة(76).

وفي 21/4/1948 قدم مجلس الوصاية في الامم المتحدة نظاما دوليا لمنطقة القدس تنفيذا لقار التقسيم ، وكان من أدق النواحي التي جاء بها مجلس الوصاية مشكلة انتخاب المجلس التشريعي ، فقد جاء في قرار الجمعية العامة "أن نظام الحكم في القدس يجب أن يقوم على اساس العامة "أن نظام الحكم في القدس يجب ان يقوم على اساس الاقتراع العام والسري والتمثيل النسبي للسكان" ولكن كلا الفريقين العربي والصهيوني كان يرفض أن تكون في هذا المجلس اكثرية من الفريق الآخر. ثم اشتد النزاع في فلسطين بين العرب واليهود فقرر مجلس الوصاية تقديم مشروع نظامه إلى الجمعية العامة التي كانت منعقدة وقتئذ في دورة خاصة.

وفي 14/5/1948  قررت الجمعية العامة (القرار رقم 168) دورة خاصة) ـ إرسال وسيط دولي إلى فلسطين وفي 20/5/1948  تم تعيين الكونت فولك بيرنادوت فذهب الى فلسطين ودرس الوضع فيها وفي 27/6/1948 قدم حلوله السياسية لمشكلة فلسطين يبكاملها.وقد أوصى بضم منطقة القدس إلى الدولة العربية على أن تكون لليهود لا مركزية إدارية ضمنها ، وأكد برنادوت أن الدول العربية هي المحيط الطبيعي بالقدس وأنها بالتالي تشكل وحدة اقتصادية وسياسية معا (77) وقد اغتيل "الكونت برنادوت" في القدس على أيدي اليهود (78) أما بالنسبة لقضية اللاجئين فقد قبلت الجمعية العمومية للأمم المتحدة توصية الكونت برنادوت والتي تنص على ان حقوق الأبرياء الذين اخرجوا من ديارهم بسب الإرهاب والثار للذين رافقا الحرب ، أن هذه الحقوق يجب أن تؤكد وتوضع موضع، التنفيذ مع ضمان تعويض مناسب عن ممتلكات أولئم لا يختارون العودة(79).

وفي 19/8/1948  نظر مجلس الأمن في وضع القدس بالذات وصت على القرار رقم 56 الذي حذر فيه الفريقين المتحاربين بانهما يتحملان مسؤولية ما يقع من أضرار على أيدي القوى النظامية وغير النظامية، وانه لا يحق لي فريق أن يجني ربحاً مهما يكن نوعه من جراء خرق الهدنة ، وطلب من الوسيط الولي تجريد القدس من السلاح لحمايتها من الدمار.

انصرف هم الوسيط الدولي إزاء القدس اولا الى  تجريدها من السلاح فقبل العرب ذلك ، ولكن اليهود تهربوا منه، وهنا بدأ ظهور تحول الموقف الصهيوين بعدخما احتل اليهود مناطق واسعة في اللد والرملة وشقوا طريقا بين القدس وتل ابيب نقلوا عبرها الذخائر والمؤن إلى القدس وراحوا يتطلعون إلى المدينة المقدسة على أنها جزء لا يتجزءأ من الدولةاليهودية، ثم تطور الموقف العسكري تطوراً كبيراً لمصلحة العصابات الصهيونية، مما جعل الوسيط الدولي يرجع عن رأيه السابق بضم القدس إلى الدولة العربية ويدعو الى تدويلها.

ففي آخر تقرير له وقعه قبل مقتله على أيدي الإرهابيين الصهيونيين ورفعه إلى الجمعية العامة في 16/9/1948  أوصى "بأن ينظر إلى القدس بصورة مستقلة وأنها يجب أن توضع تحت رقابة الأمم المتحدة مباشرة مع اعطاء سكانها من اليهود والعرب مراكز إدارية، وضمان حماية الأماكن المقدسة وسهولة الوصول إليها (80).

ورغم حيازة القوات اليهودية من الأسلحة التي خلفها الانتداب البريطاني لليهود ورغم تسهيل رجال الانتداب لرجال المنظمات اليهودية باحتلال معظم قطاعات المدينة خارج الأسوار قبل رحيلهم نهائياً صباح  14/5/1948، رغم كل ذلك فقد استطاع أهل القدس المدنيين بالتعاون مع فئات قليلة من جيش الانقاذ والجهاد المقدس الدفاع عن القليل الباقي من الاحياء العربية خارج السور والصمود أمام الكماشة من القوى اليهودية من خارج السور وداخله ، حتى جاء الجيش العربي الأردني وتمكن بالتعاون مع الفئات العربية  المحاربة من صد الهجوم اليهودي اولا ثم أرغموا الفئات اليهودية داخل السور على الاستسلام وقاموا بهجوم معاكس ضد الاحياء اليهودية خارج السور، وكادوا يسجلون انتصاراً ساحقاً ويرغمون القوات اليهودية المحاربة على الاستسلام لولا التآمر الانجليزي مرة اخرى من جهة والتآمر الدولي مرة اخرى من جهة ثانية ، وذلك لحيلولة البريطانيين الذين كانوا مسؤولين عن قيادة الجيش الاردني دون تموين القوى الأردنية المتقدمة بالذخيرة مدعين نفاذها، وبإعلان الهدنة الأولى التي مكنت الأجهزة اليهودية من تعديل موقعها بالمؤن للمهاجرين من السلطات المحاربين والاعتدة وبالمزيد ممن السلاح من أوروبا.ومن الولايات المتحدة الامريكية، الأمر الذي رجح كفتهم ومكنهم من الثبات في المواقع التي تراجعوا إليها ثم دفعهم لتوجيه هجوم جديد (81).

وانعقدت الجمعية العامة في دورتها الثالثة العادية في خريف 1948 وكانت القوات الإسرائيلية قد احتلت مدينة القدس الجديدة بكل احيائها العربية، كما احتلت القوات الأردنية القدس القديمة وفيها الأماكن المقدسة كلها، وتمركزت قوات الفريقين المتقاتلين في مناطقهما، ولكن ذلك لم يمنع الجمعية العامة من الاصرار على تدويل منطقة القدس فصوتت في 11/12/1948 على قرارها رقم 194 (دورة3) الذي انشأت بموجبه لجنة التوفيق وكان من بين المهام التي عهدت بها إليها وضع نظام دائم لتدويل منطقة القدس، وعادت في هذا القرار فأكدت حدودها وردت في قرار التقسيم مع حماية الأماكن المقدسة (الفقرة 8 من القرار)(82).

لقد توقف القتال بين الطرفين باتفاقية لوقف إطلاق النار أبرمت في الاثين من تشرين الثاني (نوفمبر)1948 ثم تحولت إلى اتفاقية هدنة بني البلدين عقدت تحت إشراف الأمم المتحدة في 3 نيسان (ابريل 1949)(83).

وخلال عام 1949 اجتمعت لجنة التوفيق إلى الوفود العربية  والوفد الإسرائيلي خلال عام 1949 . وكان أهم هذه الاجتماعات تلك التي عقدت في لوزان وادت في 12/5/1949 إلى توقيع بروتوكول لوزان الذي وردت تفاصيل ما سبق توقيعه وما لحقه في التقرير الثالث للجنة التوفيق (الوثيقة 927) بتاريخ 21/6/1969 . وتضمن هذا التقرير قسماً خاصا يتعلق بقضية القدس (الفقرات 34-38) وقدمت الوفود العربية اقتراحات قائمة على تدويل منطقة القدس تدويلا تاما تنفيذا ً لقرارات الجمعة العامة مع المحافظة على وحدة المنطقة من دون تقسيم وتزويدها باجهزة الحكم الدولية ، في حين طالب اليهود إقرار الأمر الواقع في القدس، وأن يقتصر التدويل على الأماكن المقدسة فحسب(84).

ثم قامت إسرائيل بنقل عدد من الوزارات ومكاتبها من تل أبيب إلى القدس حتى قبل الإعلان عن فشل جهود لجنة التسوية وتجاهلت إسرائيل تجاهلا تاما استنكار هيئة الامم المتحدة كما تجاهلت عدم اعتراف الأسرة الدولية بذلك النقل الذي أصبحت بموجبه القدس عاصمة إسرائيل وبشكل تدريجي.(85)

وقد قدمت الوفود العربية مذكرة احتجاج قوية إلى لجنة التوفيق تطلب فيها سحب كل الدوائر التي نقلتها (إسرائيل ) إلى القدس (86) ولم يكن للطب العربي أي صدى بسبب التعنت الإسرائيلي.

لقد كان الاستيلاء الإسرائيلي على الجزء المخصص طبقاً للتقيم القانوني خرقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1947 والتوصيات والقرارات المتعلقة به. والتي ا‘ادت وأكدت عزم المنظمة الدولية على تدويل القدس، ولم ينص قرار قبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة خلال مايو "ايار" 1949  على إعفاء  إسرائيل من التعهد بتنفيذ هذه القرارات من ناحية. وكذلك فإنه لم يتضمن اعتراف المنظمة الدولية بالسيادة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، فقد تعهدت إسرائيل بتنفيذ هذه القرارات عندما تقدمت بطلب العضوية في الامم المتحدة ، ثم أكدت الجمعية العامة في شهر ديسمبر (كانون أول)  عزمها على تدويل القدس، فاتخذ رد الفعل الإسرائيلي صورت الإسراع في الإعلان في الكنيست بأن القدس كانت وسوف تظل العاصمة التاريخية والأبدية لإسرائيل، ولم تعترف الأمم المتحدة بذلك. وبهذا تكون التغيرات الطبيعية والسكانية في مدينة القدس التي احتلت في سنة 1948 غير شرعية من وجهة نظر القانون الدولي نتيجة لطبيعتها "الاحتلالية" (87).

المطلب الثاني : موقف إسرائيل من القرارات الدولية:

 في عام 1950 قررت حكومة العدو الإسرائيلي اعتبار القسم المحتل من القدس سنة 1948 عاصمة إسرائيل وفي عام 1967 احتلت القوات الإسرائيلية القدس الشرقية واصبحت القدس بكاملها تحت الاحتلال الإسرائيلي ، وأثناء احتلال المدينة المقدسة، تم نهب البيوت والأموال وقصف المساجد والكنائس، وتم نسف البيوت والمساجد وقد اصدر الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 27/ حزيران أمراً بضم القدس إلى إسرائيل (88).

وبتاريخ 29 حزيران 1967 أصدرت سلطات الاحتلال الصهيوني قراراً بحل مجلس أمانة القدس العربي وهذا نصر القرار(89)

أمر حل مجلس أمانة القدس.

بإسم جيش  الدفاع الإسرائيلي أتشرف بأن اعلن للسيد روحي الخطيب ولأعضاء مجلس بلدية القدس بأن مجلس البلدية يعتبر من الآن فصاعدا كمجلس منحل.

إن موظفي البلدية على مختلف دوائرهم بما فيهم الموظفون والإداريون والفنيون يعتبرون من الآن فصاعدان كموظفين مؤقتين في بلدية أورشليم إلى أن يقرر تعيينهم بواسطة بلدية أورشليم على أساس استدعاءات تشغيل تقدم خطيا.

بإسم جيش الدفاع الإسرائيلي ادعو موظفي البلدية الى متابعة أعمالهم في تقديم الخدمات اللازمة للسكان في المدينة.

أشكر السيد روحي الخطيب وأعضاء البلدية على خدماتهم في فترة الانتقال من وقت دخول جيش الدفاع  الإسرائيلي ولغاية اليوم"

29/حزيران 1967

مساعد قائد القدس العسكري: يعقوب سلمان

ضابط حكم عسكري: داود فارص

واستولت سلطات الاحتلال على جميع محتويات وممتلكات وأجهزة وأثاث وسجلات أمانة القدس العربية والغت جميع القوانين والانظمة العربية واعتبرت القوانين والانظمة الإسرائيلية هي النفاذة والسارية المفعول.

رفض العرب هذه الإجراءات الصهيونية وقدموا الشكوى ضدها إلى هيئة الأمم المتحدة التي شجبت هذه الإجراءات وأصدرت قرارين بهذا الخصوص.

وقد صدر بتاريخ 4/7/ 1967 قرار الجمعية العامة رقم 2253 الذي جاء فيه أن الجمعية العامة تعتبر التدابير الإسرائيلية غير صحيحة وتطلب إلغاءها والامتناع فوراً عن ارتكاب أي عمل من شأنه تغيير وضع القدس(90).

ولم تذعن إسرائيل لإرادة الاسرة الدولية رفضت تنفيذ القرار وناقشت الجمعية العامة ومجلس الأمن الموضوع من جديد واتخذت القرار رقم 2254 بتاريخ 14/7/1967 تعرب فيه عن أسفها لتخلف إسرائيل عن تنفيذ القرار رقم 2253 وتكرر المطلب الذي وجهته إلى إسرائيل بالغاء جميع التدابير التي وقع اتخاذها والامتناع عن إثبات أي عمل من شأنه تغيير مركز القدس (91)

لم تذعن إسرائيل لقراري الجمعية العامة . وللمزيد من تحدي الأسرة الدولية قررت إسرائيل اقامة عرض عسكري في القد سفي شهر مايو/ ايار 1968 أي لباقي المدينة المقدسة، واعرض الأردن على ذلك واشتكى لمجلس الأمن، وقاطع الملحقون العسكريون من أمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفياتي وعدد من الدول الاخرى العرض العسكري.

وعندما قررت إسرائيل اقامة العرض ثانية بعد احتلال مدينة القدس ، وحددت له بتاريخ 2/5/1968 طلب الاردن اجتماع مجلس الامن لمعالجة الموضوع وبعد مناقشات طويلة اتخذ القرار رقم 250 (1968) المؤرخ في 27/4/1968 وطالب إسرائيل بعدم إقامة العرض العسكري المقرر.

ولم تذعن إسرائيل لقرار مجلس الامن . ثم اصدر مجلس الامن قراراه الثاني والذي عبر فيه عن "اسفه  العميق" على إقامة العرض العسكري فلسطين القدس.

لقد استمرت إسرائيل في تحديها للاسرة الدولية في المراوغة في تفسير قرار مجلس الامن رقم 242 وأنه يشمل القدس وقد عرض مشروع باكستان على مجلس الامن للتصويت ولدى التصويت صوتت ثلاث عشرة دولة إلى جانبته وامتنعت أمريكا وكندا فقط عن التصويت وهو القرار 252 بتاريخ 21/5/1968 (92).

وقد تضمن ذلك القرار رفض الاستيلاء على الاراضي بالغزو العسكري ، واعتبر جميع الاجراءات الادارية والتشريعية وجميع الاعمال التي قامت بها إسرائيل بما في ذلك مصادرة الاراضي والممتلكات إجراءات باطلة ودعى إسرائيل الى الغاء هذه الاجراءات وان تمتنع مستقبلا عن القيام بأي عمل آخر من شأنه ان يغير وضع القدس. وشجب المجلس فشل إسرائيل في الامتثال لقرارات الجمعية العامة المذكورة أعلاه.

مرة أخرى لم تذعن إسرائيل لإرادة الاسرة الدولية واستمرت في تغيير معالم القدس، واجتمع مجلس الامن واصدر القرار رقم 267 بتاريخ 3/7/19769 بالاجماع.

وقد أكد المجلس المبدأ القائل إن الاستيلاء على الاراضي بالفتح العسكري غير مقبول وأكد قراره السابق رقم 252 (1968) وشجب المجلس بشدة الإجراءات المتخذة لتغيير وضع مدينة القدس وقرر المجلس الحاجة إلى الاجتماع دون تأخير للنظر في الخطوات التي يمكن ان تتخذها في هذا الشأن.(93).

وقد رفضت الحكومة الاسرائيلية قرار مجلس الامن واستمرت في إجراءاتها القانون والإدارية التي دعى مجس الامن الى الغائها(9) وقد استمرت الحكومة الإسرائيلية في عمليات مصادرة الاراضي العربية كما امتت مشاريع اسكانية على وجه السرعة(95) .

ففي عام 1968 صادرت إسرائيل 300 هكتار (حوالي 660 دونم) في منطقة جبل المكبر وفي عام 1970 صادرت حوالي 1200 هكتار أي حوالي(2460 دونم) صودرت في القدس الشرقية باسم خطة مدينة القدس الكبرى.

وفي 12/2/1971 وعلى الرغم من المعارضة الصريحة للفنيين والمعمارين فقد أقر مجلس بلدية القدس خطة وزارة الاسكان في ضواحي القدس بهدف خلق حزام على التلال المحيطة بالمدينة المقدسة تتكون من عرين الف بيت وتتسع لخمسة وسبعين ألف يهودي(96).

واستمرت إسرائيل في اجراء التغييرات مما دعى مجلس الامن إلى الاجتماع واتخذ قراره رقم 298 بتاريخ 25/1/1971 بأغلبية 14 صوت مقابل  لا شيء.

وفيما يلي نص القرار.

"مجلس الأمن الأمن يذكر بقرار يذكر بقراراته رقم 252 لسنة 1968 و 267 لسنة (1969) وقرارات الجمعية العامة السابقة رقم 2253 (ES-V) ورقم 2254 (ES-V) في تموز سنة 1967 والمتعلقة بالاجراءات واعملا إسرائيل المتخذة لتغيير وضع الجزء المحتل من القدس.

وبعد الاطلاع على رسالة المندوب الدائم للاردن حول الاوضاع في مدينة القدس رقم 10313/ي وتقارير الامين العام ذوات الارقام 8052/ي و 8164/ي.

وبع الاستماع إلى الاطراف ذات العلاقة حول الموضوع.

يؤكد مجلس الامن مبدأ عدم جواز احتلال الاراضي بالقوة العسكرية ويشير الى عدم احترام إسرائيل للقرارات المبينة سابقا…

ويؤكد المجلس قراره رقم 252 لسنة 1968 و267 لسنة 1969.

يعلن فشل إسرائيل في احترام القرارات السابقة التي اتخذتها الامم المتحدة بخصوص إجراءات وأعمال إسرائيل لتغيير اوضاع مدينة القدس.

يؤكد المجلس باوضح تعبير ممكن أن الاجراءات التشريعية والادارية التي قامت بها إسرائيل في مدينة القدس بما في ذلك مصادرة الاراضي وتهجير السكان والتشريعات الهادفة الى احتواء الجزء المحتل بأنها جميعا غير قانونية ولا يمكن ان تغير من أوضاع المدينة.

يدعو إسرائيل بشكل مستعجل لإلغاء الاجراءات والاعمال التي اقمت بها كما يدعو ها إلى الامتناع عن أية اجراءات مستقبلية في الجزء المحتل من مدينة القدس. بهدف تغيير الاوضاع في المدينةأو تلك التي تلحق ضررا بحقوق السكان المحليين أو مصالح المجموعة او تعرقل سلام عادل ودائم.

يطلب إلى الامين العام بالتشاور مع رئيس مجلس الامن وباستخدام جميع الوسائل التي يختارها بما في ذلك استخدام مندوب او لجنة ليرفع تقريرا الى مجلس الامن على أية حال خلال 60 يوما حول مدى تنفيذ هذا القرار(97).

وردا على قرار مجلس الامن أعلاه اجتمعت الوزارة الإسرائيلية وقررت الاستمرار في مخططات تهويد القدس ورفضت قرار مجلس الامن (98)  وقد كان الرد الإسرائيلي الرد أيضا وبصورة عملية على القرارات الدولية من خلال تكثيف الاستيطان التهويدي لإسكان 100000 يهودي معظمهم من المهاجرين يسكنون حوالي 30 ألف شقة(99).

المبحث السادس

المواقف الدولية من قضية القدس

يمكن القول إن قضية القدس منذ الحروب الصليبية تدور حول محورين: أحدهما من له حق ممارسة حقوق السيادة على المدينة والمحور الثانية كيف تدار الأماكن المقدسة. فإثناء الحروب الصليبية ، وحتى الحرب العالمية الأولى كان "البعد الديني" هو الظاهر والبارز في دبلوماسية القوى الأوروبية ورغم ذلك بقي البعد السيادي يشكل مدخلاً رئيسياً في الصراع حول القدس.

مع نهاية الحرب العالمية الأولى ودخول الجنرال اللنبي القدس عام 1917  وما ترتب عليه من زوال سيادة الدولة العثمانية صار من الضروري خلق إنسجام بين مصالح كل القوى والأوروبية في فلسطين فبينما ادعى الروس حصتهم في حماية المسيحيين الارثوذكس ادعت فرنسا حقها في حماية المسيحيين في الامبراطورية العثمانية، بينما اعتبرت بريطانيا نفسها حامية للبروتستانت واليهود الدروز(100).

المطلب  الاول : موقف الولايات المتحدة من قضية القدس.

بدأت الولايات المتحدة تبدي اهتماما في قضية القدس فقد انشأت لها، او قنصلية فيها عام 1844 إلا أنها في الفترة السابقة على الحرب العالمية الأولى كانت محل اهتمام الدوائر الاوروبية.

وأثناء الحرب العالمية الثانية جرى نقل الثقل الصهيوني إلى الولايات المتحدة ا التي بدأت تبرز على مسرح العالم وكان صدور  قرار مجلس النواب الإمريكي (419) هو بداية التدخل في فلسطين فصدر مباشرة ذلك القرار الذي حث على وجوب تدخل الولايات المتحدة لفتح أبواب الهجرة اليهودية رغم اعتراض وزارة الحرب الامريكية.

يمكن أن يعزى الموقف الامريكي وحتى الأوروبي من قضية القدس بالذات ، ليس فقط إلى ضغوط اللوبي اليهودي وإنما إلى تعدد المواقف من موضوع تقرير مصير القدس(101).

فالمشكلة الاشد تعقيدا في نظر السياسة الامريكية هي من سيحكم اقدس؟ ويطرح الامريكان حلولا منها التدويل ، الحكم المشترك أو تقسيمها لكانتونات (102).

إ موقف الولايات المتحدة بشأن القدس ينسجم في الاساس مع نص القانون المقترح لمدينة القدس الجزء الثالث (ج) من مشروع الأمم المتحدة للتقسيم المقترح وفي 29 تشرين الثاني 1947 على أن سلطة الإدارة ، أي مجلس الوصاية يجب عليها أن تحمي وتصون المصالح الروحية والدينية الفريدة لديانات التوحيد الثلاث العظمى في جميع أنحاء العالم ، اليهودية والمسيحية والإسلامية وعليها في سبيل هذه الغاية أن تضمن استتباب السلام لا سيما السلام الديني في القدس…" (103)

ولما كانت الولايات المتحدة هي التي كانت وراء إنجاح مشروع قرار التقسيم القاضي بتدويل مدينة القدس مما يعني أن الموقف الامريكي يفترض أن يكون منسجما مع قرار التقسيم(104).

قبل عدوان حزيران عام 1967 كانت الولايات المتحدة قد أعلنت قبل العدوان بأنها لن تسمح أو تتساهل مع أي طرف يبدأ العدوان ولكن أمريكا لم تشجب العدوان الإسرائيلي ثم عادت تؤكد وقوفها على الحياد، إن الموقف الامريكي إزاء الاحداث التي سبقت الأزمة تمثل فلسطين يتعهدها بالحفاظ على السلامة الأقليمية لكل دول المنطقة.لكل دول المنطقة. وكتبت جريدة هاتسفوية الإسرائيلية في 30 اكتوبر نقلا عن النيويورك تايمز تقول إنه قد حصل مزيد من التحسن على موقف الولايات المتحدة تجاه إسرائيل بعد أن كان الرئيس جونسون تأكد في الماضي من مسألة إنسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها في أعقاب عدوان حزيران 1967 مقابل اعتراف العرب بالكيان الاسرائيلي،! ومع هذا فقد ظهر خلاف تكتيكي بين السياسة الامريكية والاسرائيلية حول نقطتين الأولى تتعلق بالقدس والثانية بمحادثات الدول الأربع الكبرى . فقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في يوم 29 يونيو 1967 معارضتها لضم القدس القديمة إلى إسرائيل (105).

ثم جاءت مبادرة روجرز عام 1969 والتي تدعو عملياً إلى الانسحاب الشامل مقابل السلام ومبادرة روجرز تفترض توحيد القدس ولا تشير مطلقاً إلى مرتفعات الجولان السورية.

ثم أوضحت إدارة نيكسون عدم قدرتها على ممارسة ضغط على إسرائيل للانسحاب من الاراضي التي احتلت في عدوان حزيران عام 1967.

وفي لقاء كيسنجر مع المرحوم الملك فيصل بعد حرب عام 1973 أعرب كيسنجر بأن الولايات المتحدة لا تستطيع إجبار إسرائيل على الانسجاب من الاراضي المحتلة ولكن وعد كيسنجر بالضغط عليها لتحقيق هدف الانسحاب (106).

وقد بقي الموقف الامريكي حتى الربع الأخير من عام 1975 يعارض أي إجراءات من قبل  إسرائيل لتغيير طابع المدينة المقدسة وقد جاء في كلمة جورج بوش ممثل الولايات المتحدة لدى الامم المتحدة في مجلس الامن بتاريخ 25/9/1975 وقوله:

"نأسف لفشل إسرائيل الاعتراف بمسؤولياتها التي التزمت بها بموجب ميثاق جنيف الرابع ، كما نأسف لإعمالها التي تتعارض مع نص وروح ذلك الاتفاق، وإننا نؤكد بأن أعمال إسرائيل في الجزء المحتل من القدس أدت إلى تزايد الاعمال التي سيؤدي بالنهاية إلى تغيير أوضاع ذلك الجزء المبني على أسس عصيبة وأن تقرير الامين العام حول أعمال المنظمة الدولية لسنة 1970-1971 يعكس مدى قلق حكومات كثيرة حول التغيرات التي حدثت في المدينة…"(107).

إن السمة الظاهرة للدبلوماسية الامريكية في الشرق الاوسط هي الافتقار إلى التجانس في الاهداف التي تسعى إليها هذه الدبلوماسية والاساليب التي تتوسل بها والادوات التي تستخدمها.

وإزاء النفوذ الذي مارسته المنظمات الصهيونية ذات النشاط في السياسة المحلية الامريكية، ، قامت الادارة الامريكية بتغيير موقفها من الجوانب الحاسمةفي النزاع العربي الإسرائيلي وتجلى ذلك بصورة بارزة في موقفها المتغير من المبدأ الاساسي الثابت في القانون الدولي الذي يحظر الاستيلاء على الاراضي بالحرب وقد جاءت مبادرة الكونغرس الامريكي لنقل سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل إلى القدس بمثابة مصادقة من جانب أمريكا على انتهاك صارخ للقانون الدولي.

لقد عارضت عدة إدارات امريكية على نقل السفارة الامريكية إلى القدس ولكن حملات الانتخابات الامريكية كانت ميدانا فسيحاً لوعود انتخابية لنقل سفارة أمريكا إلى القدس(108)

لقد تحدث الرئيس الامريكي ريغان في مبادرته في أيلول (سبتمبر) 1982 عن ضرورة اقدام إسرائيل على تجميد بناء المستوطنات فوراً لتسهيل عملية السلام وفي نفس الوقت تقدم إدارة ريغان الاموال لدعم بناء المستوطنات والتي يتركز معظمها في القدس وحولها. لقد بقي الموقف الامريكي بصورة مستمرة داعما لنشاط إسرائيل الاستيطاني. بعد أن كان بناء المستوطنات يعتبر في بادئ الامر نشاطاً "غير شرعي" أصبح فيما بعد يعتبر "عقبة في سبيل السلام" ثم عائقا لحل القضية الفلسطينية (109).

موقف الولايات المتحدة بشأن القدس في المحافل الدولية:

تقف الولايات المتحدة موقف المؤيد لإسرائيل في المحافل الدولية فبعد صدور قرار مجلس الامن رقم 476 بتاريخ 30/6/1980 والمتضمن شجب إصرار إسرائيل على تغيير الطبيعة المادية والتركيب السكاني وتحدي إسرائيل للقرارات الدولية ذات الصلة عمدت الولايات المتحدة إلى الامتناع عن التصويت مع أن القرار حضي بموافقة 14 دولة.

وقد تجاهلت إسرائيل ذلك القرار وفي 20/8/1980  أصدر مجلس الامن قراره رقم 476 وقد أيدت جميع الدول الاعضاء في المجلس هذا القرار باستثناء الولايات المتحدة التي لم تجد حرجاً في الامتناع عن التصويت عليه متحدية بذلك مشاعر جميع أعضاء الاسرة الدولية.

وكان حريا بمجلس الامن إنقاذا لقراره رقم 476 (1980) أن يتجاوز الادانات الكلامية إلى أعمال المادة السادسة من ميثاق الامم المتحدة التي تقضي بإمكانية طرج أي عضو يمعن في خرق أحكام ميثاق الامم المتحدة، ولكن الفيتو الامريكي كان ماثلا على ما يبدو في أذهان الدول الاعضاء فيه فاكتف بالقرار سالف الذكر.

وقد نزلت جميع الدول الاعضاء التي كان لها بعثات دبلوماسية في القدس المحتلة عند رغبة الجماعة الدولية ، فنقلت بعثاتها من المدينة إلى تل أبيب، كما أصدرت دول كثيرة بيانات تؤيد قرار مجلس الامن المعبر عن إرادة جميع أعضاء الامم المتحدة عملا بالمادتين 24/25  من الميثاق (110)

موقف الفاتيكان من القدس:

يقوم الموقف المسيحي الذي اعلنته صحيةف "ابوسيرفاتوري رومانو" الناطقة بلسان الفاتيكان على المبادئ الستة التالية:(111)

ضمان الحاجة للقدس كتراث مقدس مشترك للأديات التوحيدية الثلاثة عن طريق إجراءات مناسبة.

المحافظة على الحرية الدينية في كل مظاهرها للأديان الثلاثة.

حماية مجموع الحقوق المكتسبة لمختلف الطوائف في المعابد والمراكز الروحيةوالتعليمية وتلك المخصصة للمساعدات.

ضمان ديمومة النشاطات المرتبطة بالطابع الديني والتعليمي والاجتماعي وتقييمها وتلك المخصصة للمساعدات.

أن تنجز النقاط المذكورةوفق معاملة متساوية للأديان الثلاثة.

وذلك مع "ضمان قانوني" مناسب لا ينبع من إرادة واحدة من الإرادات المعنية.

ويستشف من موقف الفاتيكان الدعوة إلى تدويل القدس وعدم عودتها للسيادة العربية.

خاتمة

منذ منتصف القرن التاسع عشر أدى التنازع بين الطوائف المسيحية المختلفة على حقوق كل منها في كنيسة القيامة إلى صعوبات سياسية خطيرة بين الدول الأوروبية، وثار نزاع حاد بين اليهود والمسلمين بشأن وصول اليهود إلى ما يدعونه حائط المبكى هو الجدار الغربي للمسجد الاقصى وتعبدهم عنده مما أدى إلى تشكيل لجنة بريطانية ملكية سنة 1930 (112).

وقد جاء في تقرير اللجنة أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق في العيش فيه لكونه يؤلف جزءا لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي أملاك الوقف (113).

وفي وثيقة الانتداب سنة 1922 كانت دولة الانتداب مسؤولة "امام عصبة الامم دون سواها" . وبالمثل نصت المادة 15 على أن دولة الانتداب " عليها أن تكفل حرية الضمير وحرية ممارسة كل صور العبادات، دون أي قيد سوى صيانة النظام والأداب العامة ضماناً للجميع".

ونص القانون المقترح لمدينة القدس الجزء الثالث (ج) من مشروع الامم المتحدة للتقسيم المقترح في تشرين الثاني 1957  على أن سلطة الادارة ، أي مجلس الوصاية ، يجب عليها "ان تحمي وتصون المصالح الروحية والدينية الفريدة للديانات التوحيد الثلاث العظمى في جميع أنحاء العالم، اليهوديةوالمسيحية والإسلامية وعليها في سبيل هذه الغاية أن تضمن استتباب السلام ولا سيما السلام الديني في القدس".

وفي قرار الجميعة العامة المؤرخ في 9 كانون الاول 1949 ، رقم 3030 كرر هذا الاقتراح وهو:
" أن القدس يجب أن توضع تحت نظام دولي دائم يتوخى ضمانات مناسبة لحماية الاماكن المقدسة داخل القدس وخارجها" وكان المقصود أن تضم القدس بيت لحم ما بين ما تضم.

ومنذ نهاية الانتداب سنة 1948 عرضت إسرائيل فكرة "التدويل الوظيفي" معارضة بذلك مقابلة التدويل الإقليمي ، وبموجب تلك الفترة تخضع الاماكن المقدسة وحدها لفترة من الاشراف الدولي دون تدخل في سيادة الدولة الاقليمية، واعتبرت هذه مناورة لتجنب تطبيق مناقشات الامم المتحدة السابقة على قبول عضوية إسرائيل في أيار 1949.

ومنذ عدوان 1967  وصدور قانون حماية الاماكن المقدسة الإسرائيلي في حزيران 1967 ، تعتبر نفسها "الحارسة الحالية للامكان المقدسة في المدينة القديمة".وتقبل التعاون مع زعماء الطوائف الدينية الثلاث. ويتعامى هذا الموقف عن وضع إسرائيل القانوني في تلك المنطقة أي كونها دولة احتلال بسلطة مؤقتة مقيدة بالالتزامات القانونية المفروضة عليها بمقتضى تنظيمات لاهاي لسنة 1957  ومعاهدة جنيف (الرابعة) لسنة 1949 (114)

إن للعرب والمسلمين فهمهم للتاريخ، فهم يرتبطون بالقدس بدينهم الإسلام وبإمكانهم الدينية وبالحرم الشريف واليوم يحاول الاسرائيليون نسف الاسس القانونية والتاريخية لملكية العرب للقدس والأمر لا يتوقف عند ذلك فاليهود يسيئون إلى ارتباطهم الوجداني بها أيضا فالعرب والمسلمون يشعرون بأن إسلامهم قد تعرض للإهانة في ثالث أقدس مكان ديني.

إن حرية الوصول إلى الاماكن الدينية التي سمحت للاسرائيليين انفسهم بها تعني حريةوصول الزوار الاسرائيليين ، كما تعني حرية الوصول للادلاء  السياحيين الاسرائيليين، وقد ذكر السيد عارف العارف ـ رئيس سابق لبلدية القدس ومؤرخ ـ.

أنه انضم إلى جماعة سياحية وفي نهاية الزيارة أعلن للمجموعة أن الدليل السياحي قد ارتكب 3 أطاء وأن واحده من هذه الاخطاء جسيمة وهي أن العرب الحاضرين قد اتموا هدم المعبد.

وفي ظل توحيد المدينةفإن العرب الذين اتهموا بالعنف فيما يختص بالجزء الغربي من القدس قد شاهدوا ما يفعله الاسرائيليون من هدم للتاريخ وخاصة فيما فعلوه في "ماميلا" فقد أزيلت بكاملها وهي عبارة عن مقابر وأضرحة أزالتها جرافات البلدية.

وإنه ليس هناك خلاف بين كل غزاة القدس بأن العرب والمسلمين كانوا من أكثر الحضارات عراقة في سلوكهم بالنسبة للمدينة المقدسة (115).

فالخليفة عمر بن الخطاب فاتح القدس (636هـ) هوأول من شرع حرية الأديان والعبادات في القدس . فقد استولى الصليبيون على القدس سنة 1099 م وقاموا بذبح السكان المسلمين واستولوا على بيوتهم وأماكنهم الدينية وخاضت خيولهم بدماء المسلمين للركب أما بالنسبة لليهود فقد حرقوا أحياء.

وفي سنة 1185 م أعاد صلاح الدين القدس إلى السيادة العربية فلم يجرح سجين ولم يهدم منزل واستعاد المسيحيون الأرثوذكس سيادتهم على أماكنهم الدينية وعاد اليهود إلى القدس.

إنه شيء يدعو إلى الأسى أن لا يظهر الاسرائيليون ذلك التسامح الذي أبداه العرب في القرن التاسع والثاني عشر.

لقد استغرق المسلمون قرناً كاملاً حتى استعادوا السيادة على القدس من الاحتلال الصليبي، فالصراع والسلام لا يتعلقان بمصير سيناء والجولان أو الضفة الغربية أو اللاجئين الفلسطينيين ، بل بالسيادة على القدس التاريخية. إنه لا يوجدحكومة عربية أو إسلامية تستطيع توقيع إتفاقية سلام قد تعني التخلي عن القدس وإنه من المستحيل أيضا الاعتقاد بأن العالمين العربي والإسلامي يقبلان باستمرار  وقوع القدس تحت السيطرة الإسرائيلية (116).

إن بقاء القدس تحت السيطرة الإسرائيلية يمس مشاعر  ألف مليون مسم وهو تحد خطير ينذر بإقدام اليهود على هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه وقل أن تقع الكارثة ويطول الانتظار فإن تحركاً عربياً واسلامياً بات واجباً وهو فرض عين.

وفي ضوء ما يتهدد القدس من أخطار وما يتهدد المقدسات الإسلامية والوجود العبي فيها فقد اقيم في القدس 22 ألف وحدة سكنية والعلم جار لإقامة 33 ألف وحدة سكنية في نهاية عام 1985(117). وتنص الخطط الاستيطانية التي رافقت مشروع القدس الكبرى على جعل سكانها في عام 2000 قرابة المليون نسمة 75% منهم يهودا (118)

ان السلطات الإسرائيلية ماضية في إجراءات تهويد القدس وتغيير طابعها الحضاري والتاريخي ولاعرب والمسلمون ماضون في عرض قضاياهم وشكواهم على الهيئات الدولية لقد صدرت عشرات بل مئات القرارات في المحافل الدولية وفي مقابل ذلك اصدرت إسرائيل ولا تزال تصدر القرارات العملية في مسيرة تهويد القدس. إن إسرائيل تدرك جيداً أن المسلمين لا يفعلون شيئاً سوى إحياء ذكرى الإسراء والمعراج وأصبح إحياء الذكرى على ما يبدو بديلاً عن التحرير. إن احياء الذكرى يكون أكمل لكرامة المسلمين في ساحات الأقصى الأسير.